- يعود د. السيد بدوي والمستشار بهاء الدين أبو شقة للترشح على مقعد رئيس حزب الوفد الجديد ٢٠٢٦.. انضم ألى قائمة المتنافسين هاني سري الدين، وكان هيكل والبرادعي وربما غيرهما يرشحانه رئيسا للوزراء في الفترة التي أعقبت اندلاع ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١!
- ما الذي بقيَّ من حزب الوفد - سوى إسمه وأعدادٌ محدودة من صحيفته التي لاتزال تصدر عنه، من دون أن يحمل الحزب - أو تعبر هي - عن أي مشروع سياسي له، بعد سقوط الحزب الوطني، و كان الوفد يطرح نفسه بديلّا له، خاصة في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والاعتماد كليّا على القطاع الخاص في بناء الاقتصاد المصري ونهوضه!
- سقوط الحزب الوطني، وبزوغ "الحرية والعدالة" الإخواني بمشروعه الهلامي عديم اللون والطعم والرائحة، وإعادة إنتاج الحزب الوطني بمسميات أخرى جديدة (مستقبل وطن وحماة وطن والجبهة الوطنية وغيرها) وانتهاج سياسات مختلفة، في وجود إدارة سياسية عليا (قوامها الأساسي أفكار الرئيس، والهيئة الهندسية، والأجهزة السيادية في الدولة، بعدهم وفي ذيل الترتيب تأتي الحكومة كمجرد منفذ لأوامر وتوجيهات الرئيس!) يجعل من كل هذه الأحزاب مجرد كيانات للوجاهة الاجتماعية، فلا مشاريع سياسية لديها ولا هي تخرج عن نطاق ما ترسمه الجهات المسئولة. تندرنا على احزاب ماقبل الثورة الينايرية العظيمة بوصفها ب"الكارتونية"، ولم يتغير شيء!
يلفت النظر والحال كذلك كثرة أعداد المتنافسين على منصب رئيس حزب الوفد، فهذه الظروف المستجدة: غلق المجال العام، واضمحلال التجربة الحزبية - وكان الوفد والتجمع في السابق قطباها الرئيسيان حتى في ظل التضييقات والمضايقات السياسية والأمنية - وغياب أقطاب البرلمان وشخصياته التاريخية، تجعل من السؤال عن سبب عودة كل هؤلاء ومعهم اخرون للترشح على مقعد جلس عليه أساطين سابقين من سعد زغلول للنحاس لفؤاد باشا الخ - سؤال اللحظة فعليّا! لماذا؟ نعم لماذا.. وأغلب الذين جلسوا عليه - بعد الدكتور نعمان جمعة، خليفة سراج الدين، لم يحققوا للوفد شيئا أو أضافوا شيئّا يذكر! السيد البدوي كان الأكثر حضورا في مشهد الوفد، في زمنه كانت القضايا لاتزال ساخنة، والحزب العريق لم ينازع في الروح بعد، بل وشارك الرجل في ثورة يناير ومحادثات ومشاورات المجلس العسكري وقتها، وتعرض كذلك إلى مواقف مسيئة، فقد اعتبر شباب بالميدان الوفد جزءّا من نظام بائد!
لماذا يرغب هذا الثنائي - البدوي وأبو شقة - ومعهما هاني سري الدين في العودة كرؤساء للوفد؟ هل يتوقعون من برلمان موصوم بكل هذه العيوب وهذا العوار الذي يتحدث عنه كل الناس، من رئيس الدولة إلى أصغر شاب في البلد لديه إلمام أو وعي سياسي ما، أن يتيح لهما المنصب أي شيء؟!
أحد المرشحين الثلاثة لا أتذكر أيهم الآن وعد بإن يطلق برنامجه السياسي قريبّا؟! شيء مثير للتأمل ! هو وحده من قال ذلك عقب ملء استمارة الترشيح، ولا مانع من سؤاله: أين كنت أذّن طيلة الفترات التي سبقت فتح باب الترشيح؟ كل مايجري في البلاد ألم يكن محفزّا لك لتضع مشروعّا لإنقاذ الوفد من أوضاعه المتردية، أو على الأقل بعث الروح في جسده الهرم؟! الأولوية الآن هي لبعث هذا الحزب العريق من مرقده ومناماته الطويلة! وقد لا يكون هناك بعث من الأساس، فربما تكون الظروف والأفكار تجاوزت فكرة الوفد الجديد، منذ أن نجح فؤاد باشا سراج الدين في استعادته بحكم قضائي عام ١٩٨٤.
كان الوفد يتمتع بزعامة هذا الرجل الفذ رحمات الله عليه، وكان وجوده يعني حلقة وصل قوية بين التاريخ العريق والتطلع للمستقبل. الوفد العظيم الذي ألهب زعماؤه وجدان الناس وأججوا المشاعر القومية لديهم فانفجرت ثورة عظيمة في مصر.. ثورةً أمة حقيقية، تكافح الاحتلال وتسعي لنيل حريتها واستقلالها. تاريخ مجيد لثورة ١٩١٩ بناه المصريون قبل سعد زغلول والنحاس ومكرم عبيد وأم المصريين. بعد حل الأحزاب في عام ١٩٥٣ وبدء ما أسماه ثوار يوليو بالتطهير، لم يمارس الوفد دورا سياسيا بل تم حل الوفد وكل الأحزاب والجماعات الاخري وعلى رأسها "الإخوان المفسدون"، وعندما فكر الرئيس أنور السادات في استئناف التجربة الحزبية، فأنه قرر إنشاء ٣ منابر لليمين (برئاسة الضابط القديم بتنظيم الضباط الأحرار مصطفي كامل مراد) واليسار برئاسة أحد رموز وقيادات هذا التنظيم خالد محيي الدين، والوسط الذي سمي حزب مصر العربي الاشتراكي أولا، ثم تغير ليصبح الحزب الوطني، وكان هو حزب السادات نفسه. حِيّلْ وخِدَع فؤاد باشا سراج الدين السياسية كثيرة ، فقد أخرج من الأدراج قرارّا سابقّا بتجميد نشاط حزب الوفد، وباعتباره قرارّا داخليّا فإنه يحق للحزب أن ينهي حالة التجميد ويستأنف نشاطه! وفوجيء السادات وخاض أركان نظامه نزاعّا قانونيّا ضاريّا لمنع وفد فؤاد سراج الدين الجديد من العودة للساحة، ولكن القضاء المصري حكم لصالحه.. من هنا بزغ النجم السياسي الحزبي "الوفد الجديد"، وبحنكة الباشا وليبراليته أمكن أن يجعل من الوفد بديلا لحزب السلطة (الوطني) ولعبت صحيفته الوليدة الدور البارز في المعارضة الحقيقية، التي كان السادات يريدها مستأنسة محصورة في حزب الأحرار وصحيفته (المستأنسة) كذلك.
رحل فؤاد سراج الدين باشا وهو باشا رغم كل شيء.. رغم أن السادات سجنه في مذبحة ٥ سبتمبر، ورغم إنه ارتكب خطيئة سياسية كبري عام ١٩٨٤ بتحالفه مع جماعة الاخوان وكررها عام ٨٨، رحل عام ٢٠٠٠ والوفد لايزال فيه الرمق، وصحيفته - الوفد - لاتزال مؤثرة، وكانت عند صدورها تعد فتحّا من الفتوحات الصحفية (رحم الله مؤسسها الكاتب المرموق مصطفى شردي)، وظلت كذلك حتى ثورة يناير، وأصبحت إحدي الصحف المعبرة عن الثورة، ثم بدا نجمها يخفت ويذوي ألى حد الانطفاء.. خاصة بعد تآكل ودائع سراج الدين (١٠٠مليون جنيه) ولأن قيادات الحزب بمعاركهم الداخلية وحرائقهم المستعرة للسيطرة على الحزب ساهموا في "وقوع" الصحيفة. تأثير الانهيار الحزبي ألقى بظلاله على الجريدة. مواقف رؤساء الوفد الممالئة للسلطة جعلت منه ومن صحيفته بوقًا من أبواق النظام.. وحتى اليوم يتندر صحفيون بالوفد على أنها أصبحت على يمين الأهرام!
إذا كانت الأحوال كلها متردية والوفد الصحيفة محاصرة ومختنقة وتصدر من دون أن يشعر بها أحد - باستثناءات قليلة تنشرها البوابة الإلكترونية - والحزب بلا مشروع سياسي منذ رحيل سراج الدين، فلماذا يريد كل هؤلاء وغيرهم العودة من باب رئاسة الوفد؟
ما الذي يستطيع تقديمه مجددّا هذا الثلاثي؟ كيف يمكن إعادة إحياء الوفد؟ هل سيظهر في أفق الوفد ممول مثل ممدوح عباس في نادي الزمالك، سيدفع مثلا لإنقاذ الصحيفة؟! ويثور هنا سؤال: أين ذهبت الملايين التي بيعت بها المقاعد النيابية المخصصة لمرشحيه على القائمة! وهل يستطيع الوفد المنافسة في انتخابات برلمانية مقبلة، وفق منظومة الإنتخابات التي يُعْمَل بها الآن؟ الأهم من هذا كله هو: ما المشروع السياسي الجديد لإحياء حزب الوفد.. سواء للسيد البدوي أو لأبي شقة أو لهاني سري الدين؟
ليست مسألة بسيطة، فالتاريخ العريق للوفد لا علاقة له بالإجابة عن هذا السؤال.. الإجابة تتعلق بدور الوفد مستقبلّا وانحيازاته وطرحه الجديد لمواجهة الظروف الاقتصادية الطاحنة، والديون "المتلتلة" داخليّا وخارجيّا، وتحديات الأمن القومي الخطيرة. ما لم يكن هناك مشروع متكامل لدى المرشحين فإن "رئيس حزب الوفد" سيبقى مجرد "تايتل" يكتبه الفائز منهم بالمقعد على البيزنس كارد أو على لوحة يضعها فوق مكتبه أو على غرفته! ربما سيتمتع بدعوته لحضور المناسبات العامة كالافراح والليالي الملاح والعزاءات وبعض الندوات وبعض جلسات الحوار الوطني إن تم استعادته لأي سبب.. وربما خصص له مكانا في الصفوف الثانية في افتتاح معرض الكتاب ومهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومباريات منتخب مصر لكرة القدم!
-------------------------------
بقلم: محمود الشربيني






